اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

201

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

« وكان أكثر ما حدانى على هذا الكتاب وتأليفه على هذه الصورة أنى كنت في حالة الحداثة شغفا بأخبار البلدان والوقوف على حال الأمصار كثير الاستعلام والاستخبار لسافرة النواحي ووكلاء التجار وقراءة الكتب المؤلفة فيها وكنت إذا لقيت الرجل الذي أظنه صادقا وإخاله بما أسأله عنه خبيرا فأجده عالما عند إعادة الخبر الذي اعتقد فيه صدقه وقد حفظت نسقه وتأملت طرقه ووصفه وأكثر ذلك باطلا وأرى الحاكي بأكثر ما حكاه جاهلا ثم أعاوده الخبر الذي ألتمسه منه والذكر ليسمع الذي استوصفته وأطالع معه ما صدر مع غيره في ذلك بعد رؤية وأجمع بينهما وبين حكاية ثالث بالعدل والسوية فتتنافر الأقوال وتتنافى الحكايات وكان ذلك داعية إلى ما كنت أحسه في نفسي بالقوة على الأسفار وركوب الأخطار ومحبة تصوير المدن وكيفية مواقع الأمصار وتجاور الأقاليم والأصقاع . وكان لا يفارقني كتاب ابن خرداذبه وكتاب الجيهانى وتذكرة أبى الفرج قدامة بن جعفر وإذا الكتابان الأولان قد لزمني أن أستغفر اللّه من حملهما واشتغالى بهما عن ما يلزمني من توخى العلوم النافعة والسنن الواجبة 17 ولقيت أبا إسحاق الفارسي وقد صور هذه الصورة لأرض الهند فخلطها وصور فارس فجودها وكنت قد صورت أذربيجان التي في هذه الصفة فأستحسنها والجزيرة فاستجادها وأخرج التي لمصر فاسدة وللمغرب أكثرها خطأ وقال قد نظرت في مولدك وأثرك وأنا أسألك إصلاح كتابي هذا حيث ضللت فأصلحت منه غير شكل وعزوته إليه ثم رأيت أن أنفرد بهذا الكتاب وإصلاحه وتصويره أجمعه وإيضاحه من غير أن ألم بتذكرة - - أبى الفرج وإن كانت حقا بأجمعها وصدقا من سائر جهاتها وقد كان يجب أن أذكر منها طرفا في هذا الكتاب لكن استقبحت الاستكثار بما تعب فيه سواي ونصب فيه غيرى » 18 . وتحت تأثير هذه الظروف تم تأليف كتاب ابن حوقل ؛ وهو أيضا يحيط بمسوداته الكثير من اللبس ، ويحمل في العادة عنوان « كتاب المسالك والممالك » بالرغم من أنه قد حفظت لنا أحيانا تسمية أخرى ترتبط بالحلقة الأساسية لهذه السلسلة وهي « كتاب صورة الأرض » . وقد رفع ابن حوقل المسودة الأولى من مصنفه إلى سيف الدولة الحمداني ( توفى عام 356 ه - 967 ) ، وترجع المسودة الثانية إلى حوالي عام 367 ه - 977 19 . وتمثل خطوه إلى الأمام بالنسبة للطبعة الأولى ( editio Princeps ) لدى خويه تلك الطبعة الثانية التي نشرها كرامرس Kramers لأقدم مخطوطة لابن حوقل وهي مخطوطة استنبول التي يرجع تاريخها إلى عام 479 ه - 1086 أي بعد مائة عام من تأليف الكتاب . ويميل كرامرس إلى القول بوجود ثلاث مسودات للكتاب مع فوارق يسيرة بين الأولى والثالثة 20 . والدراسة المباشرة لهذا الأثر توكد صحة ما ذكره ابن حوقل في قصته عن مقابلته للاصطخرى ، فلدى مقارنته مع كتاب الأخير نجد أن يد التغيير والتبديل قد مست بصورة كبيرة الأقسام المفردة لمصر وأفريقيا وأسبانيا وصقلية كما أنه أجرى تعديلا أساسيا في الأقسام الخاصة بالعراق وأرمينيا وما وراء النهر ، بينما تركت الأقسام المتعلقة بإيران بالذات دون أدنى تغيير . وقد ترسم ابن حوقل خطى السابقين